|
|
|
الوطنية والتحديث لبنانياً وعربياً |
|
   |
|
|
حافظ لبنان على تعدده السياسي وتنوعه الثقافي الديني والمدني، وأخفق في إنتاج وطنية لبنانية واحدة .في منتصف القرن الماضي كانت الوطنيات العربية
لاغية للتعدد السياسي والتنوع الثقافي .
الليبراليون العرب كانوا يعجبون بالنموذج اللبناني، والعروبيون اللبنانيون كانوا يعجبون بالنموذج القومي العربي، على شيء من استحياء، لنقص في الحرية والديمقراطية . بعد نصف قرن لم تنتج الليبرالية اللبنانية وطنية واحدة ودولة حديثة، ولم ينتج النموذج القومي ديمقراطية، حتى حين انهارت قبضة السلطة المركزية وانفتحت آفاق الحريات السياسية والمدنية، في العديد من الدول العربية .
ليس شكل النظام السياسي وحده مسؤولاً عن هذه الحصيلة التاريخية . كانت “اللحظة الليبرالية” التي سادت في الدول العربية قبل صعود التيارات القومية إلى السلطة، هجينة خالطتها أشكال من تسلّط القوى التقليدية، ومن النزاعات السياسية الفئوية والجهوية وعدم الاستقرار . ولم يكن التيار القومي على اتساع شعبيته العاطفية تياراً جماهيرياً منظماً . أخذت النخب العسكرية السلطة نيابة عن الجمهور وأخذتها لعجز هذا الجمهور عن أن يتشكل في حركات سياسية فاعلة . أما في النموذج اللبناني فقد كانت التعددية الطائفية التي أفرزت أحزابها السياسية، هي الحاجز الذي حال دون سقوط الليبرالية أمام تيارات العروبة التي تموضعت في بيئات طائفية مقابلة . لكن الملابسة المشتركة في كل المجتمعات العربية، هي أن الليبرالية كانت تعني الارتباط بالغرب والتخلّي عن معركة الاستقلال الحقيقي ومواجهة التحديات القومية، بينما الوطنية والعروبة وقفت في مواجهة مشاريع الغرب ومصالحه، ولم تتوافر لها ثقافة ديمقراطية تحررية وانطوت على ثقافة تاريخية تقليدية . لم نخرج حتى اليوم من هذه المعادلة . فالأنظمة العربية التي تخلّت عن المواجهة القومية وسلكت الطريق الليبرالي، أخذت الوجه الاقتصادي من الليبرالية ولم تأخذ وجوه الحرية السياسية والديمقراطية، وهي سلكت طريق التبعية مجدداً . في الحال اللبنانية تشكلت حرية وطنية عروبية ذات ملامح ديمقراطية وعلمانية . المكونات السياسية لهذه الحركة عكست تلاقي مصالح أقليات طائفية، وبالتالي ثقافات فرعية لا تنتمي إلى الإرث الإسلامي التقليدي . تقاطعت مع الإسلام التقليدي في معركة الوطنية والعروبة، وانفصلت عنه وتصادمت معه في مشاريع الإصلاح . حين انعقدت التسوية السياسية التاريخية بين القوى الكبرى أو التيارات الكبرى في الخارج والداخل، كانت هذه الحركة ضحية تلك التسوية وتم استبعادها سياسياً ومادياً، وجرى تفكيكها إلى عناصرها الأولية .
أنتجت الليبرالية اللبنانية حداثة طرفية أو فئوية أو قطاعية، ولم تنتج حداثة شاملة، توطنت الحداثة في بيئات، وفي جغرافيا ومصالح اقتصادية، ولم تبلغ المدى اللبناني كله . كانت التشكيلة الاجتماعية هنا أشبه بتعايش قسري بين مدنية ومدن كوسموبوليتية وأرياف، بل مناطق واسعة غارقة في العلاقات التقليدية اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً .
أما الوطنية اللبنانية فصدرت وتجذّرت في هذه البيئات الريفية، أو تلك المناطق الملحقة بالمركز اللبناني الاقتصادي والطائفي . حين خاضت هذه الملحقات والأطراف معركتها للتحديث ولتطوير النظام والمشاركة حملت إليه ثقافة تقليدية طائفية من خلال الموجة الثانية من العمل الوطني . أقفلت التسوية الطائفية أواخر القرن الماضي على ثنائية طائفية لم تلحظ حلاً لمشكلات الأطراف اللبنانية والتجمعات السكانية فيها، ولم تلحظ بناء الدولة وبسط سلطتها على جميع أراضيها، بدءاً من مدخل الهمّ الاجتماعي والوطني . فقد كان احتلال الجنوب ومواجهة هذا الاحتلال خارج هم ومسؤولية تلك القوى التي تولت السلطة في الداخل . نفر المسيحيون من الوطنية والعروبة وفي تيارهم السياسي الغالب، لأنها ارتبطت بتقليص دورهم السلطوي، ونفر الشيعة من مشروع الدولة الذي جرى بناؤه بدون كامل حضورهم السياسي والديمغرافي والجغرافي، رغم حصتهم المحفوظة دستورياً . فقد استأنفوا مشروعهم خارج الدولة لتحرير الجنوب، وحملوا راية الوطنية والعروبة والإسلام السياسي المذهبي، لتحقيق وجودهم في المعادلة اللبنانية الطائفية . لم يشاركهم كل اللبنانيين هذه المهمة، لأن الوطنية اللبنانية تشظّت مجدداً بانكماش المسيحيين وحذرهم، وانبساط النفوذ السني على السلطة لعدة عوامل معروفة، وانكفاء السنة في ثقافتهم السياسية عن العروبة إلى الليبرالية، ففي مجتمع تعددي متنوع ومتفاوت التطور تسيطر النخب السياسية والاقتصادية، وتتحكّم بالمسار العام لمجموعاتها بفعل موقعها في السلطة، وبفعل علاقاتها الخارجية، وبفعل استحضار الثقافات التقليدية، وعناصر الاختلاف والتضاد فيما بينها .
تطورت أشكال وآليات الصراع بين الجماعات الطائفية، وتظهّرت للطوائف هويات تتعلق بدورها في الكيان، انطلاقاً من ما تراه وظيفة رئيسة لها . لكن النخب الطائفية لا تبحث عن إمكانات التكامل بين هذه الهويات والوظائف، بل تسعى إلى تعميق طابعها الانفصالي . تنشق البلاد مجدداً بين ليبرالية تجد فضاءها وامتدادها في العلاقات مع الغرب ومشروعه، ووطنية ملتبسة بالإسلام السياسي تجد في البيئة الإسلامية التقليدية وبعض مكوناتها المتصادمة مع الغرب مداها ومصادر دعمها . تصبح تفاصيل السياسة اليومية مادة لهذا الجسم السياسي أو ذاك، وتفتقد الحياة الوطنية أية قواعد ومعايير لقياس تطور الدولة ووحدة المجتمع . وأمام كل قرار ومهمة وتشريع وموقف هناك في العقل الباطن الطائفي رغبة في تحسين التوازن السياسي، لا في التقدم على طريق الجمع بين الحداثة والوطنية
سليمان تقي الدين
الخليج |
|
التعليقات: 0 |
الخبر السابق : الخبر التالي
|
|
|
|
المتواجدون حالياً :5
من الضيوف : 5
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 244288
عدد الزيارات اليوم : 1685
أكثر عدد زيارات كان : 2917
في تاريخ : 28 /08 /2010
|
|