|
|
|
الاصلاح الديني و الاصلاح السياسي |
|
   |
|
|
منذ بداية النهضة العربية مثلت موضوعة الإصلاح الديني إحدى القضايا المركزية
التي شغلت الأنتلجنسيا العربية في سعيها نحو بناء أسس فكرية وثقافية تسمح بتحقيق تقدم شامل في ظل سؤال مافتئ يشغل الذهنية العربية ربما لخصته رسالة شهيرة كتبها شكيب ارسلان حملت عنوان 'لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟'. فمقولة الإصلاح الديني وان لم تكن وليدة اللحظة إلا أنها ظلت الهاجس الأكبر الذي يشغل الساحة الفكرية العربية منذ نهايات القرن التاسع عشر وكان طبيعيا أن يحصل الاختلاف في تشخيص المقصود بالإصلاح وبالنتيجة التنازع إلى حد الصراع في وضع الحلول وبناء النماذج التفسيرية التي يمكن من خلالها تلمس أفق الخروج من الأزمة التي يعانيها الخطاب الديني كجزء من الأزمة الشاملة في المنطقة العربية . فما المقصود بالإصلاح الديني ؟وماهي أسسه ؟وكيف يمكن التأسيس لرؤية جديدة تسمح باحترام حرية المعتقد من جهة وان تحول دون انقلاب الدين إلى عائق للتقدم بل وتجعله رافعة للنهوض من جهة أخرى ؟وهل يمكن الفصل بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي ؟
يمكن القول إن فكرة الإصلاح الديني في إطارها الإسلامي ظلت تتكرر طيلة فترات تاريخ الإسلام تحت مقولة التجديد 'إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها' غير أنها في صورها الكثيرة اتخذت ميسما واحدا يمكن اختصاره في ما يلي :
ـ أمثَلة id'alisation الماضي والتماهي المتخيل معه.
ـ الدعوة إلى العودة إلى الدين في صورته الأكثر صفاء ونقاء باعتبار أن كل الأزمات إنما هي نتاج الزيغ عن هذه الصورة الأولى المفترضة.
ـ التصور المعكوس للزمان التاريخي بحيث كلما ابتعدنا عن الأصل كلما ازداد الفساد وفقدنا الصورة المثلى التي تأسست لحظة انبجاس الدعوة .
ـ الانتصار للتدين الشكلي ولحرفية النص على حساب منطق التأويل والاجتهاد والانفتاح على التجارب الإنسانية المغايرة.
ومن هذا المنطلق فان المقولات الأساسية للدين ظلت حاضرة وبقوة ،تفعل فعلها في الخطاب الديني بما فيه الخطاب 'التجديدي' (مقولات دارالإسلام ودارالحرب، الولاء والبراء، الكفر والإيمان) وقد زاد الطارئ الخارجي ممثلا في الاستعمار في تكثيف هذه المقولات ومنحها شحنة إيديولوجية عنيفة وظفتها حتى الأطراف الغير متدينة في المعركة من اجل التحرير. وبظهور دولة مابعد الاستقلال تصاعدت أزمة الخطاب الديني في ظل تبني الدولة الوطنية لمقولات هذا الخطاب في تبرير ممارساتها السلطوية أو في مواجهة خصومها (سواء أطراف المعارضة العلمانية أو أنصار التيارات الدينية) وهو أمرجعل إعادة النظر في طبيعة الإصلاح الديني المنشود مطلبا ملحا في إطار المعركة الإصلاحية الشاملة (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا).
مقومات الإصلاح الديني المنشود:
إن كل خطاب ديني هو في النهاية قائم على جملة من البنى المركزية التي لا يمكن نفيها أو الادعاء بأنها قابلة للإلغاء أو النسخ وعلى هذا الأساس يمكن القول مع إيريك فروم 'إن دينا بعينه طالما هو قادرعلى تحريك السلوك ليس مجرد مجموعة معتقدات وشرائع ولكنه إيمان مغروس بجذوره في البناء الخاص للشخصية الفردية وطالما هو دين جماعة من البشر فان له جذورا في الشخصية الاجتماعية أيضا' وهو ما يعني أن أي إصلاح ديني حقيقي لا ينبغي أن يرتبط بأي صورة من الصور بالمطالبة بإلغاء المقولات الرئيسية للدين أو الدعوة إلى إبعاد النصوص الأساسية التي يقوم عليها ذلك انه من غير الممكن عقلا وأيضا من واقع التجربة أن تتخلى العقائد عن نصوصها المؤسِسة بل إن كل محاولة لمصادمتها بصورة فجة لن تثير إلا المزيد من ردود الأفعال المتشنجة وتزيد من الالتفاف حول أنصار الخطاب الأصولي، فالإصلاح الديني يتم أولا وأساسا على مستوى العقول (إصلاح التعليم ونشر الثقافة التنويرية العقلانية) وثانيا على مستوى الممارسة وأدوات التأويل فليس المطلوب نفي الدين أو حشره في الزاوية وإنما التأسيس لتصور يتم فيه التمايز بين المجال الديني والمجال السياسي واعتقد أن كثيرا ممن يتصورون أنهم أعداء هذا الفصل وهذا التمايز سيقبلون به إن تأكدوا أن القيمة الحاكمة والمرجعية النهائية للمجتمع ـ وضمن ذلك مؤسسات صنع القرارـ هي القيمة المطلقة (الحرية، العدالة، المساواة)وليس لصالح فئة أو مجموعة أو طبقة ومن هنا نكتشف مدى التو اشج بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي لأنه ثمة فارق كبير بين فصل الدين عن الدولة وبين هيمنة الدولة على الدين .
فالممارسة اليومية حتى لدى أكثر الجماعات تدينا هي في جوهرها ممارسة علمانية حتى وان اتخذت لبوسا دينيا فأي جماعة إنسانية مهما بلغ تدينها ـ بما في ذلك المسلمون ـ لابد أن تتعامل في كثير من الأحيان مع الزمان والمكان والطبيعة والجسد من خلال إجراءات زمنية صارمة تراعي فيها المصلحة ومنطق التوازن بين بؤر النفوذ المختلفة في المجتمع ،ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الإصلاح الديني المنشود ينبغي أن يتسم بما يلي :
ـ إن الإصلاح الديني يتعلق بمراجعة موقع الدين في صنع القرار وفي مدى اتساع مجال ماهو ديني على حساب ما هو مدني .
ـ ليس المطلوب نفي المقولات الرئيسية للدين (بما فيها التكفير)لأنه أمر غير ممكن وإنما ينبغي التركيزعلى الفصل بين ما هو مجال للاعتقاد وما هو مجال للممارسة التي تخضع للقانون ولسلطة الدولة التي يُؤسس لها المجتمع ضمن توافق معين.
ـ إن ماهو ديني قد يتحول إلى مشكلة إذا أقصيناه وأحس المتدين انه محاصر وما تكشف عنه التجربة أن الخطاب الديني يمكنه أن يغذي إشكال الصراع ويدفعها إلى مداها الأقصى إذا لم يُمنح الفرصة ليظل جزءا من الحراك الاجتماعي ولكن ضمن ضوابط تمنع عنه التوظيف السياسي من السلطة أوالمعارضة على حدٍ سواء.
ـ ينبغي رفع القداسة عن الممارسة الإنسانية مهما كانت ـ ومن باب أولى الفعل السياسي ـ وهو ما يعني أن لا احد بإمكانه الادعاء انه مخول للحديث باسم الدين .
ـ لا ينبغي أن يٌطرح الإصلاح الديني بمعزل عن الإصلاح الشامل لكل المجالات ففي كثير من الأحيان يكون الإغراق في التدين نتاجا لحيف اجتماعي أو لظلم سياسي يشعر به قسم من المجتمع مما يدفعه نحو المقدس بحثا عن العدل والتماسا للإنصاف وتحــررا من الظلم وان بصورة لاواقعية.
وأخيرا...
إن الحاجة إلى التدين لا يمكن للإنسان أن يتجرد منها وقد تكون إحدى مميزاته الأكثر التصاقا به أما تمظهراتها فهي على حد السواء' الدافع إلى المنجزات الأكثر خصبا وروعة والجرائم الأكثر إيلاما' كما يقول غرانجي، وبالنظر إلى ما يكتسيه التدين من أهمية فإن قضايا الإصلاح الديني تظل مطروحة وبشدة ولا يمكن حلها إلا بنوع من التوافق الضروري بين كل الأطراف الفاعلة لبناء عقد اجتماعي جديد يتولى ضبط مجال ما هو ديني وما هو سياسي ويضع الأمور في نصابها وهذه قضايا ينبغي حسمها اليوم قبل الغد لأنها لم تعد تحتمل التأجيل .
سمير حمدي
القدس العربي |
|
التعليقات: 0 |
الخبر السابق : الخبر التالي
|
|
|
|
المتواجدون حالياً :5
من الضيوف : 5
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 247786
عدد الزيارات اليوم : 91
أكثر عدد زيارات كان : 2917
في تاريخ : 28 /08 /2010
|
|