|
|
|
العلمانية كإشكالية إسلامية - إسلامية...1 |
|
   |
|
|
يتفق خصوم العلمانية في الساحة الثقافية العربية المعاصرة، سواء أكانوا من دعاة الحداثة أم من دعاة القدامة، على اعتبارها نموذجاً لإشكالية مستوردة
فالعلمانية في رأيهم رأت النور في الغرب، وتحديداً الغرب المسيحي. وما رأته إلا لتقدم جواباً عن إشكال هو من إفراز الغرب المسيحي حصراً: الصراع اللاهوتي والسياسي، الذي أخذ شكل حرب متوالية الحلقات دامت ثلاثين عاماً، بين الغالبية الكاثوليكية والأقلية البروتستانتية. وعن طريق الترجمة والمحاكاة الرثة، الموسومة بـ"التفرنج" كما يقولون، جرى ازدراع تلك الإشكالية الغربية في جسم الثقافة العربية الحديثة بدون أن تكون بها إليها حاجة حقيقية، وبدون أن تلبي طلباً فعلياً –أو متوهَّما أنه كذلك- إلا للجماعة الأقلوية التي تطوعت لاستيرادها: نصارى الشرق.
هكذا كان برهان غليون في كتابه "المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات" قد سبق له –ولنعترف له بهذه الأسبقية- أن قال إن العلمانية "إشكالية مصطنعة ومنقولة عن الغرب". ومن بعده أعلن محمد عابد الجابري بدوره أن العلمانية هي نموذج لإشكالية عادمة اللزوم ومستغنى عن خدماتها لأن العلمانية تعني "فصل الكنيسة عن الدولة، والإسلام ليس فيه كنيسة لنفصله عن الدولة" . ولئن يكن كل من برهان غليون والجابري قد ربطا استيراد إشكالية العلمانية بحاجة الأقلية المسيحية إلى إعادة ترتيب علاقاتها بالغالبية المسلمة، فإن داعياً ثالثاً من دعاة الحداثة المفترضين قد ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير باتهامه مستوردي هذه الإشكالية العلمانية، أي نصارى الشرق، بالعمالة الحضارية للغرب قائلاً بالحرف الواحد: "قام العلمانيون في بلادنا منذ شبلي شميل ويعقوب صروف وفرح انطون ونقولا حداد وسلامة موسى وولي الدين يكن ولويس عوض وغيرهم يدعون إلى العلمانية بهذا المعنى الغربي، فصل الدين عن الدولة. والملاحظ أنهم كلهم كانوا من النصارى، وغالبيتهم من نصارى الشام الذين كان ولاؤهم الحضاري للغرب، لا ينتسبون إلى الإسلام ديناً ولا حضارة".
هذا عن دعاة الحداثة المفترضين.
أما دعاة القدامة- وهم غير مفترضين على الإطلاق في زمن الردة هذا- فإنهم ينطقون بلا تمايز بلسان واحد يجد نموذجه في الشاهد التالي: "ليس غريباً أن يكون أول من دعا إلى العلمانية بشعارها الصريح أو تحت أسماء أخرى كالقومية والوطنية هم نصارى الشرق، فإن الحياة المطمئنة التي كفلها لهم المجتمع الإسلامي –بل المحاباة الزائدة في الكثير من الأحيان- لم تكن لتطفئ نار الحقد المتأججة في صدورهم. ولئن كانوا يدركون أن هيمنة الشريعة الإسلامية هي العائق الأكبر لشفاء غيظهم ونفث أحقادهم، فقد استماتوا في سبيل إنهاء هذه الهيمنة وإحلال الأنظمة اللادينية محلها... لكي تقضي على الإسلام".
بديهي أننا لا نماري في أن العلمانية في وجه من وجوهها –في وجه من وجوهها فقط وليس على الإطلاق في كل وجوهها- يمكن أن تمثل مطلباً للأقليات بقدر ما يمكن أن تقدم لها ضمانة للمساواة التامة أمام القانون. ولكن ما نماري فيه بالمقابل هو أن تكون الأقليات المعنية في الدائرة العربية الإسلامية هي الأقليات المسيحية حصراً. ذلك أن العلمانية فلسفة وآلية لتسوية العلاقات لا بين الأديان المختلفة فحسب، بل كذلك بين الطوائف المختلفة في الدين الواحد . والحال أن التعددية في الدائرة العربية الإسلامية ليست محض تعددية دينية أو إثنية، بل هي أيضاً تعددية طائفية. فالإسلام العربي، بواقعه الديموغرافي الحالي، يتألف من غالبية سنية بكل تأكيد، ولكن أيضاً من أقليات شيعية ونصيرية وزيدية وإسماعيلية ودرزية وإباضية. ومن منظور هذه التعددية الطائفية الإسلامية، فإن قضية العلمانية في العالم العربي ليست فقط قضية مسيحية-إسلامية، كما يطيب لخصوم العلمانية تصويرها، بل هي أيضاً، وربما أساساً، قضية إسلامية-إسلامية. ولعلنا نستطيع أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إن تركيز خصوم العلمانية على البعد الأقلوي المسيحي لإشكالية العلمانية في العالم العربي إنما يخفي، مثله مثل كل منطوق به، مسكوتاً عنه هو أعظم خطورة وفداحة بعد، ونعني به بعدها الطائفي الإسلامي. وقد كان لا بد من انتظار كارثة الاحتلال الأمريكي للعراق حتى ينفجر ذلك المسكوت عنه بكل القوة التي لا مناص من أن ينفجر بها المكبوت الذي طال كبته. ومع ذلك فإن آلية الدفاع الساذجة، المتمثلة بتعليق أمراض الذات على مشجب الغير، سارعت إلى الاشتغال هنا أيضاً لكي تعزو انفجار "الفتنة" الطائفية في عراق اليوم إلى التدخل الأمريكي. ونحن لا نماري في دور هذا التدخل. ولكننا نحدّه فقط بكشف الغطاء عن مرجل المكبوت الذي لا نتردد في القول –وكما سنثبت حالاً- بأنه لا يفتأ يغلي منذ أكثر من ألف سنة. وباستعارة لغة المتكلمين الأشاعرة فلنقل إن التدخل الأمريكي لم يفعل أكثر من أن يقدم المناسبة لانفجار الحرب الطائفية، ولكنه لم يكن هو عاملها على صعيد السببية. فعلى هذا الصعيد لا بد أن نعود إلى التاريخ، وهو تاريخ مديد لا يقاس بعشرات السنوات كما في مثال الحرب الكاثوليكية-البروتستانتية التي تمخضت عن تكريس العلمانية كآلية قانونية لتسوية العلاقات بين الطوائف، بل يقاس بمئات السنين من صراع سني-شيعي بقي إلى اليوم متجذراً في مستنقع الطائفية القروسطية بحكم غياب وتغييب المخرج العلماني.
ولأن هذا التجذر في تاريخ الذات هو ما تغيِّبه نظرية العامل الأجنبي -وهنا الاحتلال الأمريكي- فإن هذه الورقة لن تفعل شيئاً آخر سوى استحضار ذلك التاريخ المغيَّب.
الطائفية كثابت دائم في التاريخ الإسلامي
معلوم أن الانشطار السني-الشيعي بدأ سياسياً خالصاً، ولكن بالغ العنف، مع حرب الخلافة التي تتالت فصولها في وقعتين رئيسيتين دارتا في عام ستة وثلاثين للهجرة بين علي بن أبي طالب، ابن عم الرسول وختنه، من جهة أولى، وبين عائشة بنت أبي بكر، زوجة الرسول، ومعاوية بن أبي سفيان من جهة ثانية. وفي هاتين الوقعتين، الجمل وصفين، خلَّف الاقتتال عشرة آلاف قتيل في أولاهما، وسبعين ألف قتيل في ثانيتهما . وبصرف النظر عما قد يكون في هذه الأرقام من مبالغة، فإن مثل هذا العدد الهائل من القتلى –بمن فيهم المئات من صحابة الرسول- كان لا بد أن يخلف أحقاداً وضغائنَ مؤرثة، ولا سيما في مجتمع ذي بنية قبلية ترفع الثأر إلى مرتبة القانون. وقد أعقبت هاتين الوقعتين، بعد خمس وعشرين سنة، مجزرة أقل حجماً بكثير، ولكن ذات بعد مأساوي أكبر بكثير أيضاً، تمثلت في وقعة كربلاء التي تمخضت في عام واحد وستين للهجرة عن مقتل الحسين، حفيد الرسول، واثنين وسبعين من أهل بيته وأصحابه. وقد قُتل مع الحسين اثنان من أولاده، وخمسة من إخوته، وثلاثة من أولاد أخيه الحسن، وستة من أولاد عمه عقيل، وكذلك أخوه من الرضاعة. وقد احتزت رؤوس القتلى الثلاثة والسبعين جميعاً، وحملت إلى يزيد بن معاوية في دمشق بعد أن طيف بها في الكوفة. وعدا بشاعة المقتلة بحد ذاتها، فقد أخذت مأساة كربلاء بعداً تأسيسياً لما لن يتردد بعض الدارسين في تسميته بـ"الديانة" الشيعية بالنظر إلى ما تولد عنها من شعور بالذنب وحاجة إلى التكفير لدى أهل الكوفة –وذريتهم من بعدهم- ممن كانوا دعوا الحسين إلى الخروج بهم ثم خذلوه. وقد تضافرت هذه العقدة التأثمية- التي لا تقوم للديانة النبوية بدونها قائمة كما لاحظ فرويد في دراسته عن موسى والتوحيد- مع الحقد المكظوم الذي استثارته سياسة لعن علي بن أبي طالب على منابر المساجد طيلة ألف شهر من الحكم الأموي لتحدث في الإسلام انشقاقاً داخلياً أكثر استعصاء على التسوية والالتئام من ذاك الذي عرفته المسيحية الغربية مع الانشقاق اللوثري الذي قادها إلى حرب الثلاثين عاماً الضروس وكان مدخلها في الوقت نفسه إلى الحداثة من خلال الإصلاح البروتستانتي ثم الإصلاح الكاثوليكي المضاد.
والواقع أن تفعيل عقدة الشعور بالذنب تلك هو الذي لعب الدور الأكبر في استبطان الانشقاق الشيعي وتحويل نصابه من التسييس إلى التديين. فطيلة العهد الأموي والشق الأول من العهد العباسي اقتصرت الشيعة على التعبير عن نفسها من خلال حركات الخروج المتتالية التي قادها الطالبيون بشتى منازعهم والتي قمعت الواحدة تلو الأخرى بقسوة كربلائية . كما أن الانتفاضات الطالبية التي قُيِّض لبعضها النجاح المؤقت لجأت هي الأخرى إلى ممارسة عنف انتقامي لا يقل بشاعة . وقد تميز العهد العباسي الأول بتهدئة نسبية للصراع تمثلت بوجه خاص في الموادعة التي تمت بين المأمون والإمام الثامن علي الرضا، إذ زوَّجه بنته وكتب له بولاية العهد. بيد أن الصراع السياسي عاد يتأجج في ظل خلافة المتوكل الذي "أظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها... وأمر بهدم قبر الحسين ومنع الناس من زيارته، فخُرِّب وبقي صحراء" .
وقد أعقبت الانقلاب المتوكلي هدنة قصيرة تمثلت في الأشهر الستة التي دامتها خلافة ابنه المنتصر بالله، الذي كان على حد توصيف السيوطي "قليل الظلم، محسناً إلى العلويين، وصولاً لهم، أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين، وردّ على آل الحسين فدك" . ولكن اضطهاد الشيعة أخذ من بعده طابعاً منتظماً تمثل في اعتقال الإمامين العاشر والحادي عشر، علي الهادي النقي وحسن الزكي العسكري ، وتصفيتهما في معتقلهما بالسم على ما تفيد المصادر الشيعية على الأقل. وهذا القمع المتواصل هو عملياً ما اضطر الشيعة إلى "تغييب" الإمام الثاني عشر محمد الهادي حتى لا تطوله يد التصفية الجسدية. وبانقطاع سلسلة الإمامة على هذا النحو صارت الشيعة تُعرف باسم الاثني عشرية. ولئن يكن خلفاء بني العباس، من المتوكل فصاعداً، قد اعتمدوا في صراعهم مع الطالبيين عنصراً إثنياً محدداً، هم الأتراك، فإن اقتحام عنصر إثني جديد لمسرح بغداد السياسي –هم الديلم- أحدث انقلاباً حقيقياً في موازين القوى. ففي المنافسة مع الأتراك الذين كانوا ذوي توجه سني كان لا بد للديلم أن يظهروا ميلاً تشيعياً عكسياً. وعلى هذا النحو، ومنذ أن دخل أحمد بن بويه الديلمي بغداد سنة 334هـ، بدأت ترى النور تلك الظاهرة التي عمَّدها مؤرخو الحوليات الإسلامية باسم الفتنة، أي ظاهرة الاقتتال وحرب الأحياء ما بين السنة والشيعة: ولا سيما بين حي الكرخ الشيعي وباب البصرة السني. وطبقاً لابن الأثير فإن أول "فتنة عظيمة" وقعت في بغداد بين السنة والشيعة كانت في عام 349، وقد "تعطلت الجمعة لاتصال الفتنة بين الجانبين سوى مسجد براثا، فإن الجمعة تمت فيه" . وفي عام 351 "كتب عامة الشيعة ببغداد، بأمر معز الدولة، على المساجد ما هذه صورته: "لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة فدكاً، ومن منع أن يدفن الحسن عند قبر جده، ومن نفى أبا ذر، ومن أخرج العباس من الشورى". فأما الخليفة فكان محكوماً عليه لا يقدر على المنع، وأما معز الدولة فبأمره كان ذلك" .
وفي عام 352 دشن معز الدولة طقس عاشوراء الذي ستكون له أبعاد تأسيسية –بالمعنى الذي تحدث عنه فرويد في موسى والتوحيد، ومن قبل في الطوطم والحرام- في التحويل النهائي للانشقاق السياسي الشيعي إلى انشقاق ديني. فـ"في هذه السنة عاشر المحرم أمر معز الدولة أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه، قد شققن ثيابهن يَدُرْنَ في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنيين قدرة على المنع لكثرة الشيعة ولأن السلطان معهم".
ولكن ابن كثير، مصنِّف البداية والنهاية، هو من يلح على النظامية التي تلبسها هذا الطقس الذي بات يُحيا سنوياً، ودوماً في العاشر من محرم، أي اليوم الذي قتل فيه الحسين. هكذا نراه في البداية والنهاية يفتتح حوادث كل سنة تالية بالقول:
"وفي عاشر المحرم منها (سنة 353) عملت الرافضة عزاء الحسين كما تقدم في السنة الماضية، فاقتتل الروافض وأهل السنة في هذا اليوم قتالاً شديداً، وانتهبت الأموال" (ج11، ص 253).
"وفي عاشر المحرم منها (سنة 354) عملت الشيعة مأتمهم وبدعتهم على ما تقدم قبل، وغلقت الأسواق وعلقت المسوح، وخرجت النساء سافرات ناشرات شعورهن ينحن ويلطمن وجوههن في الأسواق والأزقة على الحسين... ثم تسلط أهل السنة على الروافض فكبسوا مسجدهم، مسجد براثا الذي هو عش الروافض، وقتلوا بعض من كان فيه من القومة" (ج11، ص 254).
"وفي عاشر المحرم منها (سنة 355) عملت الروافض بدعتهم الشنعاء وضلالتهم الصلعاء على عادتهم في بغداد" (ج 11، ص260).وفي عاشر المحرم منها (سنة 359) عملت الروافض بدعتهم الشنعاء، فغلقت الأسواق وتعطلت المعايش ودارت النساء سافرات عن وجوههن ينحن على الحسين بن علي ويلطمن وجوههن" (ج11، ص 267). "فيها (سنة 363) في عاشوراء عُملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة والرافضة... وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة جملاً وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب علي، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير، وعاث العيارون في البلد فساداً، ونهبت الأموال" (ج11، ص 275).
بديهي أن ابن كثير ما كان له، من موقعه الراسخ في السلفية السنية، أن يفهم "عزاء الحسين" إلا على أنه "بدعة شنعاء" بدون أن يدرك بعده كطقس تأسيسي لا يمثل تحدياً "استعراضياً" لأهل السنة بقدر ما يعبر عن حاجة ذاتية لدى أهل الشيعة لاستبطان جريمة قتل الابن والتكفير عنها . وهذه الحاجة الذاتية إلى التفريج عن عقدة الشعور بالذنب هي التي لا تفتأ تُفعَّل دورياً في طقس عاشوراء من خلال ظاهرة "اللّطميات" وما يصاحبها من أدبيات بكائية متجددة باستمرار .
وأيا ما يكن من أمر، وطبقاً لتلك القاعدة الذهبية التي سنّها ماركس حينما قال إن التاريخ لا يكرر نفسه عندما يكررها إلا ليحوّل المأساة إلى ملهاة، فإن أهل السنة لم يتأخروا عن محاكاة أهل الشيعة في "بدعتهم الشنعاء وضلالتهم الصلعاء". ففي سنة 389 كما يفيدنا ابن الأثير في الكامل بادر أهل "باب البصرة –وهم سُنَّة- فعملوا في ثاني عشر المحرم مثل ما يعمل الشيعة في عاشوراء". وفي البداية والنهاية يقول ابن كثير بمزيد من التفصيل : "لما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتماً يظهرون فيه الحزن على الحسين، قابلتهم طائفة أخرى من جهة أهل السنة فادعوا أن في اليوم الثاني عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير، فعملوا له مأتماً كما تعمل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما تزور قبر الحسين. وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعة مثلها" (ج11، ص326).
والواقع أنه ابتداء من منتصف القرن الرابع وحتى منتصف القرن السابع –زمن سقوط بغداد في أيدي التتار- دارت بين سنتها وشيعتها لا "حرب ثلاثين عاما" كما في مثال المسيحية الكاثوليكية-البروتستانتية، بل حرب ثلاثمئة سنة. ومع أننا قد نجازف بالإطالة فلنورد على سبيل التمثيل لا الحصر بعض وقائع هذه الحرب التي تحتل مكاناً مركزياً في حوليات ابن الأثير:
"في هذه السنة (361) وقعت ببغداد فتنة عظيمة، وأظهروا العصبية الزائدة، وتحزب الناس، وظهر العيارون، فنهبت الأموال وقتل الرجال وأحرقت الدور. وفي جملة ما احترق محلة الكرخ، وكانت معدن التجار والشيعة"في هذه السنة (362) في شهر رمضان قتل رجل من صاحب المعونة في الكرخ، فبعث أبو الفضل الشيرازي -وكان أقامه مقام الوزير- في طرح النار في النحاسين إلى السماكين، فاحترقت أموال عظيمة، وجماعة من الرجال والنساء والصبيان في الدور والحمامات، فأُحصي ما احترق فكان سبعة عشر ألف وثلاثمائة دكان وعشرين داراً، ودخل في الجملة ثلاث وثلاثون مسجداً" .
في هذه السنة (363) ثارت العامة من أهل السنة بالشيعة، وحاربوهم، وسفكت بينهم الدماء، وأحرقت الكرخ حريقاً ثانياً".
"في هذه السنة (380) ثار العيارون بجانبي بغداد، ووقعت الفتن بين أهل السنة والشيعة، وكثر القتل بينهم، وأحرق عدة محالّ، ونهبت الأموال، وأخربت المساكن، ودام ذلك عدة شهور".في هذه السنة (382) تجددت الفتن بين أهل الكرخ وغيرهم، واشتد الحال، فركب أبو الفتح محمد بن الحاسب الحاجب، فقتل وصلب، فسكن البلد".في هذه السنة (407) كانت فتنة كبيرة بين أهل السنة والشيعة بواسط، فانتصر أهل السنة، وهرب وجوه الشيعة والعلويين... وفي هذه السنة احترق نهر طابق ودار القطن، وكثير من باب البصرة، واحترق جامع سُرَّ من رأى" .في هذه السنة (408) وقعت فتنة عظيمة بين أهل السنة والروافض قتل فيها خلق كثير من الفريقين" .
"في هذه السنة (422) تجددت الفتنة ببغداد بين السنية والشيعة، وكان سبب ذلك أن الملقب بالمذكور أظهر العزم على الغزو، فاجتمع له لفيف كثير، فسار واجتاز بباب الشعير والحراني وبين يديه الرجال بالسلاح، فصاحوا بذكر أبي بكر وعمر، وقالوا: هذا يوم معاوية، فنافرهم أهل الكرخ ورموهم وثارت الفتنة ونهبت دور اليهود لأنهم قيل عنهم إنهم أعانوا أهل الكرخ ... وقصدوا الكرخ فأحرقوا وهدموا الأسواق... وأحرق وخُرِّب في هذه الفتنة سوق العروس وسوق الصفارين وسوق الأنماط وسوق الدقاقين وغيرها"في هذه السنة (425) وقعت الفتنة ببغداد بين السنة والروافض، حتى بين العيّارين... فمقدّما عياري أهل السنة منعا أهل الكرخ من ورود ماء دجلة فضاق عليهم الحال" .
في هذه السنة (432) وقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض والسنة من أهل الكرخ وأهل باب البصرة، فقتل خلق كثير من الفريقين".
"في هذه السنة (441) مُنع أهل الكرخ من النوح وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء، فلم يقبلوا، وفعلوا ذلك، فجرى بينهم وبين السنية فتنة عظيمة، قتل فيها وجرح كثير من الناس... وبطلت الأسواق وزاد فيها الشر حتى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا فيه" .
في هذه السنة (442) اصطلح الروافض والسنة ببغداد، وذهبوا كلهم لزيارة مشهد علي ومشهد الحسين، وترضّوا في الكرخ على الصحابة كلهم، وترحموا عليهم، وهذا عجيب جداً إلا أن يكون من باب التقية
"في هذه السنة (443) في صفر منها وقع الحرب بين الروافض والسنة، فقتل من الفريقين خلق كثير، وذلك أن الروافض نصبوا أبراجاً وكتبوا عليها بالذهب: "محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر"، فأنكرت السنة إقران علي مع محمد (ص) في هذا، فنشبت الحرب بينهم واستمر القتال بينهم إلى ربيع الأول، فقتل رجل هاشمي فدفن عند الإمام أحمد [= ابن حنبل] ورجع السنة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر وأحرقوا ضريح موسى [=الكاظم] ومحمد الجواد وقبور بني بويه، وأُحرق قبر جعفر بن المنصور ومحمد الأمين وأم زبيدة وقبور كثيرة جداً، وانتشرت الفتنة وتجاوزوا . وقد قابلهم أولئك الرافضة أيضاً بمفاسد كثيرة وبعثروا قبوراً قديمة وأحرقوا من فيها من الصالحين حتى هموا بقبر الإمام أحمد... وتسلط على الرافضة عيّار يقال له القطيعي وكان يتبع رؤساءهم وكبارهم فيقتلهم جهاراً وغيلة، ولم يقدر عليه أحد" .
"في هذه السنة (444) هاجت الفتنة في بغداد واستعرت نيرانها وأُحرقت عدة حوانيت... فاجتمع غوغاء السنة وحملوا حملة حربية على الرافضة، فهرب النظّارة والتحموا في درب ضيق، فهلك ست وثلاثون امرأة وستة رجال وصبيان، وطُرحت النيران في الكرخ" .
"في هذه السنة (445) زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السنية، وكان ابتداؤها في أواخر سنة أربع وأربعين، فلما كان الآن عظُم الشر واختلط بالفريقين طوائف من الأتراك. فلما اشتد الأمر اجتمع القواد واتفقوا على الركوب إلى المحال وإقامة السياسة بأهل الشر والفساد، وأخذوا من الكرخ إنساناً علوياً وقتلوه، فثار نساؤه ونشرن شعورهن واستغثن، فتبعهن العامة من أهل الكرخ وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من العامة قتال شديد، وطرح الأتراك النار في أسواق الكرخ، فاحترق كثير منها وألحقتها بالأرض، وانتقل كثير [=من الناس] من الكرخ إلى غيرها من المحال".
"في هذه السنة (479) في شوال وقعت الفتنة بين السنة والشيعة، وتفاقم الأمر إلى أن نهبت قطعة من نهر الدجاج وطُرحت النار، وكان يُنادى على نهوب الشيعة إذا بيعت في الجانب الشرقي: هذا مال الروافض!" .
"في هذه السنة (482) في صفر كبس أهل باب البصرة الكرخ فقتلوا رجلاً وجرحوا آخر، فأغلق أهل الكرخ الأسواق ورفعوا المصاحف وحملوا ثياب الرجلين بالدم... وفي جمادى الأولى كثُرت الفتن بين أهل الكرخ وغيرها من المحال وقُتل بينهم عدد كثير، واستولى أهل المحالّ على قطعة كبيرة من نهر الدجاج فنهبوها وأحرقوها... وفي بعض الأيام وصل أهل باب البصرة إلى سُويقة غالب، فخرج من أهل الكرخ من لم تجر عادته بالقتال، فقاتلوهم حتى كشفوهم... وجرى من النهب والقتل والفساد أمور عظيمة" .
"في هذه السنة (483) كانت فتنة هائلة لم يُسمع بمثلها بين السنة والرافضة، وقُتل بينهم عدد كثير، واستظهرت السنة بكثرة من معهم من أعوان الخليفة، واستكانت الشيعة وذلّوا ولزموا التقية إلى أن كتبوا على مساجد الكرخ: "خير الناس بعد رسول الله (ص) أبو بكر"، فاشتد البلاء على غوغائهم وخرجوا عن عقولهم، واشتدوا ونهبوا شارع أبي عوف .
"في هذه السنة (486) وقعت الفتنة بين الروافض والسنة، وانتشرت بينهم شرور كثيرة".
"في هذه السنة (487) وقعت فتنة بين السنة والروافض، فأحرقت محال كثيرة وقُتل ناس كثير".
"في هذه السنة (502) في شعبان اصطلح عامة بغداد السنة والشيعة. وكان الشر بينهم على طول الزمان، وقد اجتهد الخلفاء والسلاطين والشُّحَن في إصلاح الحال فتعذر عليهم ذلك إلى أن أذن الله تعالى فيه، وكان بغير واسطة" .
....يتبع
جورج طرابيشي
تنوير |
|
التعليقات: 0 |
الخبر السابق : الخبر التالي
|
|
|
|
المتواجدون حالياً :4
من الضيوف : 4
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 244282
عدد الزيارات اليوم : 1679
أكثر عدد زيارات كان : 2917
في تاريخ : 28 /08 /2010
|
|